الجمعة، 2 يناير 2015

التكامل بين القضاء الدولي والقضاء الوطني

المقدمة:
يعد القضاء الجنائي الوطني من أهم مؤسسات المجتمع لإقامة العدل بين أفراد الشعب وحمايتهم، ودعت المتغيرات الدولية إلى ضرورة إيجاد قضاء جنائي دولي يرتكز على المقومات الشرعية الجنائية الدولية للحد من الويلات التي تعاني منها الشعوب نتيجة الحروب والمنازعات الدولية، وجاء ذلك بعد الحرب العالمية الثانية من خلال تشكيل محكمتي نورمبورغ وطوكيو، ثم جاءت محكمة يوغوسلافيا السابقة ومحكمة روندا لتتفادى العديد من الانتقادات الموجهة للقضاء الجنائي الدولي، ووصولاً للمحكمة الجنائية الدولية التي تفادت بنجاح أكبر وأفضل لهذه الانتقادات، ووفقاً لتعدد أنواع المحاكم الجنائية الدولية التي لها حق الاختصاص بالنظر في الجرائم الدولية وكذلك تعدد أنواع المحاكم الوطنية التي لها الاختصاص ذاته بالنظر في الجرائم الدولية ذاتها بفعل مبدأ التكامل بين الاختصاص القضائي الجنائي الدولي والاختصاص القضائي الجنائي الوطني، وبذلك تنبع أهمية الدراسة لتوضح بأنه ما دام أصبح بالامكان تصور أن تدعي أكثر من محكمة جنائية دولية أو أكثر من محكمة جنائية وطنية معاً بأن كلاً منها ذات الاختصاص بالنظر في جريمة معينة في وقت يجب أن ينعقد الاختصاص القضائي لإحداها فقط وذلك وفقاً لما جاء به النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يعطي أولوية الاختصاص للقضاء الجنائي الوطني، فإذا امتنع هذا القضاء من ممارسة ولايته الجنائية لسبب من الأسباب أو لعدم رغبته في مباشرة اختصاصه فإن الاختصاص حينئذ ينعقد للمحكمة الجنائية الدولية بوصفها قضاء مكملاً للقضاء الوطني.
ستدفعنا دراسة مبدأ التكامل في الاختصاص بين المحكمة الجنائية والقضاء الوطني إلى التطرق للإطار القانوني للمحكمة الجنائية الدولية، ومن ثم تبيان طبيعة العلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية والقضاء الوطني، وأخيراً لتنازع الاختصاص بين المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية.

أولاً: الإطار القانوني للمحكمة الجنائية الدولية.
علينا التطرق لتوضيح التأصيل القانوني للمحكمة الجنائية الدولية لظروف نشأتها واختصاصاتها والعلاقة بين هذه الاختصاصات بتحقيق السلم والأمن الدوليين.
أنشئت المحكمة الجنائية الدولية تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة بعد إقرار مشروع نظامها الأساسي في المؤتمر الدبلوماسي المنعقد في روما عام 1998م، وقد دخل هذا النظام حيز النفاذ في 1/7/2002، وكان الهدف من إنشائها هو معاقبة مرتكبي الجرائم الدولية التي من بينها الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية وجريمة العدوان.
فتعتبر المحكمة الجنائية الدولية هي هيئة دولية دائمة لها سلطة ممارسة اختصاصها على الأشخاص الذين يرتكبون الجرائم ضد المجتمع الدولي، وهذا الاختصاص مكمل لاختصاصات القضاء الوطني، وتتمتع المحكمة بالشخصية القانونية الدولية ولها الأهلية القانونية لممارسة وظائفها في محاكمة ومعاقبة مرتكبي الجرائم الدولية، فتعد من جهة القانون الدولي بأنها جهاز قضائي دولي مستقل.
تمنح الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلزامية تلقائياً باختصاص النظر للمحكمة في الجرائم المحددة في النظام الاساسي، وهذا ما أشارت إليه صراحة الفقرة الأولي من المادة 12 من النظام الأساسي، أما الدول غير الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فهي غير ملزمة ومستبعدة من اختصاص النظر للمحكمة في الجرائم المحددة في النظام الاساسي ولها أن تقبل هذا الاختصاص في حالات معينة وبصدد جريمة محددة كأن تقع الجريمة على إقليمها أو كان المتهم أحد رعاياها.
"ويقتصر اختصاص المحكمة على أشد الجرائم خطورة موضوع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، وللمحكمة بموجب هذا النظام الأساسي اختصاص النظر في الجرائم الآتية:
1.    جريمة الإبادة الجماعية.
2.    الجرائم ضد الإنسانية.
3.    جرائم الحرب.
4.    جريمة العدوان."
ويعتبر هذا الاختصاص الموضوعي "النوعي" للمحكمة الجنائية الدولية.
وذهبت المادة 25 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية إلى أن اختصاص المحكمة يثبت على الأشخاص الطبيعيين فقط، وأن الشخص المعنوي الذي يرتكب الجريمة تدخل في اختصاص المحكمة يكون مسؤولاً عنها بصفته الفردية، وبهذا يبتعد النظام الأساسي للمحكمة من اختصاصاته الدول والمنظمات الدولية، مع التوضيح بأن المسئولية الجنائية للشخص الطبيعي لا تمس المسئولية المدنية للشخص المعنوي وتحديداً للدول والمنظمات الدولية حيث تلتزم كل منها بتعويض الأضرار الناشئة عن أفعالها عند ثبوت المسئولية عليهما.
بذلك متى أصبحت الدولة طرفاً في النظام الاساسي للمحكمة فإنها تقبل اختصاص المحكمة على الجرائم المنصوص عليها في المادة 5 من هذا النظام، وتكون ملزمة بالتعاون الكامل مع المحكمة وتقديم من تطلبه للمحكمة من أشخاص متواجدين على إقليمها سواء من رعاياها أو من رعايا دولة أخرى.
أما الاختصاص المكاني للمحكمة فقد حددته المادة 12 من النظام الأساسي للمحكمة، وجاء ذلك بعد مداولات عديدة لللجنة المختصة لمناقشة هذا المشروع، فذهب البعض إلى اقتصار شرط القبول على الدولة التي وقع فيها الفعل والتي لها مصلحة خاصة في إجراء الملاحقات أو الدولة المختصة، وآخرون أشاروا بأنه لا يلزم إلا موافقة الدولة التي ارتكبت على أراضيها الجريمة أو الدولة المتحفظة، واشترط البعض الآخر موافقة دولة جنسية المتهم من شأنه أن يعقد ممارسة الاختصاصات من جانب المجكمة الجنائية الدولية في حالة تعدد المتهمين، وانتهو كما أشرنا سابقاً إلى أن الولاية الإقليمية للمحكمة تحدد وفق المادة 12 من النظام الأساسي.
تبنى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المبدأ العام المعمول به في أغلب الأنظمة القانونية الجنائية في العالم الذي يقضي بعدم جواز تطبيق القانون الجنائي بأثر رجعي، ومقتضى ذلك أن نصوص النظام الأساسي تسري بأثر فوري أو مباشر ولا تطبق إلا على الوقائع التي تقع منذ تاريخ نفاذه، ولا تسري أحكامه على الوقائع التي حدثت قبل هذا التاريخ، وقد تم تأكيد هذا الحكم بنص المادة 24 من النظام الأساسي، ولكن هذه المرة بصيغة أخرى، ففي الوقت الذي أكدت فيه الفقرة التانية من المادة 12 عدم سريان أحكام النظام الأساسي في مواجهة الدول إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي، وأشارت الفقرة الأولى من المادة 24 إلى عدم مساءلة الشخص جنائياً بموجب هذا النظام الأساسي عن سلوك ارتكب قبل بدء نفاذ هذا النظام، كما تبنت هذه المادة في فقرتها الثانية مبدأ القانون الأصلح للمتهم.
ويكون القانون الأصلح للمتهم إذا كان لا يعاقب على فعل كان يعد جريمة في ظل القانون القديم أو كان يخفف من العقوبة قياساً بالقانون القديم الذي ارتكبت في ظله الجريمة، ومن الجدير بالذكر أنه من الممكن توسيع نطاق الاختصاص الزماني للمحكمة وذلك في حالتين: فالحالة الأولى تتمثل في قيام دولة غير طرف بإصدار إعلان بقبول ولاية المحكمة وهذا ما تقتضي به المادة (12/3) من النظام الأساسي، حيث يمتد اختصاص المحكمة ليشمل المدة التي تسبق هذا القبول ومن ثم يتسع ليشمل الجرائم التي ارتكبت بعد نفاذ النظام الأساسي كلها –بمعنى منذ تاريخ 1/7/2002 وليس من تاريخ إعلان القبول باختصاص المحكمة- وهو تؤكده المادة (11/2) من النظام الأساسي.
أما الحالة الثانية فتتمثل في إحالات مجلس الأمن عملاً بالمادة (13/ب) من نظام المحكمة، فمن شأن قيام مجلس الأمن بإحالة حالة ما إلى المحكمة أن يوسع نطاق الاختصاص الزماني للمحكمة بأن يرجعه إلى تاريخ دخول نظام المحكمة حيز النفاذ وليس إلى تاريخ الإحالة.

ثانياً: طبيعة العلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية والقضاء الوطني.
تبنى واضعو النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية مبدأ التكامل الذي أعطى الأولوية القضائية الوطنية على ولاية المحكمة في النظر للجرائم التي تدخل في اختصاصها.
قد حددت المحكمة في ديباجتها طبيعة العلاقة بينها وبين القضاء الجنائي الوطني، حيث أكدت الفقرة العاشرة من الديباجة أن المحكمة الجنائية الدولية المنشأة بموجب هذا النظام ستكون مكملة للولايات القضائية الجنائية الوطنية.
ومن ثم جاءت المادة 1 المنشأة للمحكمة لتدعم ما جاء في ديباجتها، حيث نصت على أن "تنشأ بهذا محكمة جنائية دولية وتكون المحكمة هيئة دائمة لها السلطة لممارسة اختصاصها إزاء أشد الجرائم خطورة موضع الاهتمام الدولي، وذلك على النحو المشار إليه في هذا النظام الأساسي، وتكون المحكمة مكملة للولايات القضائية الجنائية الوطنية، ويخضع اختصاص المحكمة وأسلوب عملها لهذا النظام الأساسي"، ويتضح من ذلك الاختصاص بالمعاقبة على الجرائم الخطرة موضوع الاهتمام الدولي ينعقد بالأصل على القضاء الوطني، وعلى الرغم من تأكيد ولاية القضاء الوطني التي يجب أن تنعقد بالأصل إلا إنه جاءت المادة 17 المتعلقة بالمقبولية لتنص على:
1.    "تقرر المحكمة أن الدعوة غير مقبولة في حالة:
‌أ.       إذا كانت تجري التحقيق أو المقاضاة في الدعوة دولة لها ولاية عليها، مالم تكن هذه الدولة غير راغبة في الاضطلاع بالتحقيق أو المقاضاة أو غير قادرة على ذلك.
‌ب.  إذا كانت قد أجرت التحقيق في الدعوى دولة لها ولاية عليها وقررت الدولة عدم مقاضاة الشخص المعني، مالم يكن القرار ناتجاً عن عدم رغبة الدولة أو عدم قدرتها حقاً على المقاضاة.
‌ج.    إذا كان الشخص المعني قد سبق أو حوكم على السلوك موضوع الشكوى، ولا يجوز للمحكمة إجراء المحاكمة طبقاً للفقرة الثالثة من المادة (20).
‌د.      إذا لم تكن الدعوى على درجة كافية من الخطورة تبرر اتخاذ المحكمة إجراء آخر لتحديد عدم الرغبة في دعوة معينة تنظر المحكمة في مدى توافر واحد أو اكثر من الأمور التالية، حسب الحالة مع مراعاة أصول المحاكمات التي يعترف بها القانون الدولي:
v    إذا جرى الاضطلاع بالاجراءات أو جرى الاضطلاع بها أو جرى اتخاذ القرار الوطني بغرض حماية الشخص المعني من المسئولية الجنائية عن جرائم داخلة في اختصاص المحكمة على النحو المشار إليه في المادة 5.
v    إذا حدث تأخير لا مبرر له في الاجراءات بما يتعارض في هذه الظروف مع نية تقديم الشخص المعني إلى العدالة.
v    إذا لم تباشر الاجراءات أو لا ترى مباشرتها بشكل مستقل أو نزيه أو بوشرت أو تجرى مباشرتها على نحو لا يتفق في هذه الظروف مع نية تقديم الشخص المعني للعدالة.
2.    لتحديد عدم القدرة في دعوة معينة، تنظر المحكمة هل الدولة غير قادرة بسبب انهيار كلي أو جوهري لنظامها القضائي أو الوطني أو بسبب عدم توافره على إحضار المتهم أو الحصول على الأدلة والشهادة الضرورية أو غير قادرة لسبب آخر على الاضطلاع باجراءاتها".
يتضح من ذلك أن النظام الأساسي للمحكمة قد قيد ولاية القضاء الوطني وأحقيته في نظر الدعوى التي لها ولاية عليها بقدرة الدولة المعنية ورغبتها في ذلك، أي إمكانية أن تلك المحاكمة بصورة حقيقية وجادة وتستوفي فيها جميع الاجراءات القضائية بشفافية كاملة وأن لا تكون من قبيل المحاكمات الصورية التي تهدف إلى حماية الشخص المعني من الملاحقة الدولية، وأيضاً قيدت ولاية القضاء الدولي بعدم القدرة على مباشرة الاجراءات القضائية نتيجة لانهيار النظام القضائي نفسه بداخل الدولة.
بالرغم من أن النظام الأساسي للمحكمة قد حدد طبيعة العلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية والقضاء الوطني إلا أن ذلك لم يمنع الكثير من الجدل الذي أثير حول أحقية المحكمة الجنائية الدولية بنظر بعض الدعاوي، وذلك نظراً إلى عدم الوضوح الذي شاب العلاقة بينها وبين مجلس الأمن في كثير من الجوانب، فالعديد من التناقضات في مواقف مجلس الأمن تجاه بعض القضايا والوقائع المتشابهة التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية فبينما أحيل النزاع في إقليم دارفور للمحكمة الجنائية الدولية من قبل مجلس الأمن وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لم يحل الاحتلال الاسرائيلي للمحكمة بينما الوقائع والجرائم متشابهه، وقد أشار إليها تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في النزاع في غزة 2008-2009 بوضوح، وإذا تفحصنا بشكل واقعي للنظام الاساسي للمحكمة فإننا نكشف بأن الدول المنشأة له أصرت على استبدال عبارة "أن المحكمة ستكون مكملة للنظم القضائية" بعبارة "مكملة للولاية القضائية الجنائية الوطنية"، حيث أرادت الدول الكبرى من ذلك أن تمارس المحكمة رقابة على السلطة القضائية للدول الأعضاء.

ثالثاً: تنازع الاختصاص القضائي بين المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية.
سنناقش مسألة تنازع الاختصاص بين المحكمة الجنائية الدولية والقضاء الوطني من خلال دراسة الاختصاص القضائي للمحكمة بالاختصاص القضائي للدول الأطراف في المحكمة، وكذلك للدول غير الأطراف.
1.    صلة الاختصاص القضائي للمحكمة الجنائية الدولية بالاختصاص القضائي للدول الأطراف في نظام روما الأساسي.
بحكم الصلة بين الاختصاص القضائي للمحكمة الجنائية الدولية والاختصاص القضائي الوطني للدول الأطراف، فقد نص نظام روما على مبدأ التكامل –وفق ما نصت عليه الديباجه والمادة 1 من نظام المحكمة- المتضمن أن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في حكم الجرائم الداخلة في اختصاصها هو اختصاص تكميلي.
فمن الواضح أن الاختصاص الأصيل والأساسي في حكم الجرائم المنصوص عليها في نظام روما للقضاء الجنائي الوطني, ولكن إن عدنا لأحكام المادة 17 فإننا في واقع الحال نجد أن هذه الأحكام تبدد الآمال من عدم نشوب تنازع في الاختصاص بين المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية للدول الأطراف، وذلك لأنها نصت في البندين أ و ب على استثنائين ينعقد بناء عليهما اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ولا يخفى أن هذه الاستثناءات تعطل أو تقيد القاعدة العامة التي أرساها مبدأ التكامل وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى احتمال تنازع في الاختصاص بين المحكمة الجنائية الدولية والقضاء الوطني في الدول الأطراف.
2.    صلة الاختصاص القضائي للمحكمة الجنائية الدولية بالاختصاص القضائي للدول غير الأطراف في نظام روما الأساسي.

إن مبدأ التكامل لا ينطبق إلا بين الاختصاص القضائي للمحكمة الجنائية الدولية وبين القضاء الجنائي الوطني للدول الأطراف المحكمة، لكن من الناحية الواقعية قد تقوم الدول غير الأطراف بإصدار تشريع ينص على معاقبة مرتكبي الجرائم الدولية الداخلة في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بموجب نظام روما الأساسي.

الأحد، 28 ديسمبر 2014

الوحدة الإفريقية في سطور

                                                                                             
      



الوحدة الإفريقية في سطور






إعداد:
محمد عز الدين مصطفى حمدان







جذور الفكرة:
v    بدأت فكرة الوحدة الافريقية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وجاءت كرد فعل عن سياسات وممارسات الاضطهاد والتمييز العنصري التي عانى منها الأفارقة في أوروبا وأمريكا، حيث طالبو برفع شعار "الجامعة الافريقية" لكى تكون حركة اجتماعية وسياسية تؤكد على قيمة الهوية الافريقية والاعتزاز بها وللم شمل الأفارقة وتوحيدهم.
v    وكانت بداية الفكرة على يد "إدوارد بلايدن" Edward Blyden، الذي جاء من جزر الهند ثم ذهب إلي ليبيريا وعمل في سيراليون، وكان أول من صاغ فكرة الجامعة الافريقية، وارتكزت رؤيته على خصوصية الجنس البشري، وأن للأفارقة تاريخ يجب أن يحترم، فيقول بلايدن:
"ينبغي على الافريقي أن يطور حياته ومعيشته بنفسه، فينبغي أن تظهر قدرتنا على المضي قدماً وعلى شق طريقنا بأنفسنا، إنني أفضل أن أكون افريقيا في هذا الموقف على أن أكون يونانياً زمن الاسكندر الأكبر أو رومانياً زمن أوجستس أو انجلوسكسوني في زمن القرن التاسع عشر".
v    وفي مطلع القرن العشرين أخدت الوحدة الافريقية بُعد تنظيمي وحركي، حيث عقد أول مؤتمر في العام 1900م في لندن، ونظمه "سلفستر ويليامز ديبوا" ولم يتجاوز عدد المشاركين عن 30 مشارك، وقد طُرح خلال المؤتمر مجموعة من الأفكار الخاصة بالوحدة الافريقية وتحرير الرجل الافريقي، وتوالى انعقاد المؤتمرات، فانعقد المؤتمر الثاني في العام 1919م في باريس، والمؤتمر الثالث في العام 1921م في لندن وبروكسيل، والمؤتمر الرابع في العام 1923م في لندن ولشبونة، والمؤتمر الخامس في العام 1927 في نيويورك، وقد طرح خلال هذه المؤتمرات مجموعة من الأفكار الخاصة بالوحدة الافريقية، وكان الحاضرين من أفارقة الشتات والزعماء السود وبعض الأفارقة من الذين كانوا يدرسون في الغرب.
v    أصبحت الأفكار التي طرحها "ديبوا" ورفاقه ركيزة أيدلوجية مهمة على مدى عقود طويلة من الزمان حتى تم انعقاد مؤتمر مانشستر عام 1945م، والذي اعُتبر بمثابة علامة فارقة في تاريخ الحركة الوحدوية الافريقية، وكان من بين الحاضرين "نكروما" و"كينياتا".
v    بعد استقلال غانا عام 1956م، أصبح "نكروما" رئيساً في مارس 1957م أخذ على عاتقه تنظيم المؤتمرات، ففي العام 1958م نظم نكروما أول اجتماع للدول الافريقية المستقلة، حيث حضر ممثلون عن ثماني دول مستقلة معظمهم من شمال أفريقيا.
v    وفي العام 1960م عقد اجتماع ثاني في أديس أبابا وبمشاركة 15 دولة، وفي العام 1963م عقد إجتماع تأسيسي في أديس أبابا وأعلن فيه عن قيام منظمة الوحدة الافريقية، وأيضاً في العام 1974م عقد مؤتمر في تنزانيا، وفي العام 1994م عقد مؤتمر في أوغندا، ويمكن القول أن حركة الوحدة الافريقية خلال النصف الأول من القرن العشرين ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بمجهود زعيمين عاشا في الولايات المتحدة الامريكية وهما "ماركوس جارفي" و"ووليم ديبوا".
فجارفي أسس "الرابطة العالمية لتنمية الزنوج" وقد فشلت، ورفع شعار "العودة لافريقيا وأن افريقيا للافريقيين"، أما وليم ديبوا كان على النقيض تماماً من الجارفية واعتبرها اتجاهاً راديكالياً لمشكلة الزنوج في العالم الجديد، ساهم في تأسيس "الرابطة القومية لتطوير الشعوب الملونة"، واعتبر مشكلة الزنوج والأفارقة جزء من النضال العالمي من أجل الحصول على العدالة والمساواة، وقد نادى ديبوا بدمج السود بالمجتمع الامريكي وإعطائهم حقوقهم والقضاء على كافة أشكال التميز على أساس الجنس واللون".
 التقاء التيارات الفكرية:
v    في النصف الثاني من القرن العشرين تم إلتقاء ثلاث تيارات فكرية تعيش تعايش تاريخي بالقارة، وتجمعت للعمل تحت لواء الوحدة الافريقية، وأنها تطورت من حيث المضمون والعمل والشكل من مؤتمري أكرا عام 1958م حتى مؤتمر أديس أبابا عام 1963م، وهذه التيارات هي، تيار الناطقين باللغة الانجليزية، وتيار الناطقين باللغة الفرنسية، وتيار الناطقين باللغة العربية، ويوجد بكل تيار من هذه التيارات الثلاثة السابقة تيارات فرعية، كما يوجد بينهما نقاط خلاف ونقاط اتفاق.
v    ومن الجدير التنويه، أنه في هذه الفترة –منتصف القرن العشرين- ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية مرَ العالم عامة والقارة خاصة بالأحداث التالية:
1.    بدء تفكك النظم الاستعمارية.
2.    قيام الاتحاد السوفيتي.
3.    بدء ظهور حركات التحرر.
4.    بدء ظهور المثقفين وأفكارهم التي ينادوا بها (افريقيا للافريقيين-الوحدة الافريقية).
5.    ظهور نظام دولي جديد.
6.    بداية ظهور المنظمات الأممية (عصبة الأمم- الأمم المتحدة).

تيار الناطقين باللغة الانجليزية:
v    ظهر هذا التيار في بداية القرن العشرين وسط الزنوجة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا والذين كانوا يعانون من العنصرية والتمييز، وقد ظهرت فكرة الجامعة الافريقية وكانت تضم الزنوج السود في أفريقيا في المرحلة الاولى، وفي المرحلة الثانية كانت تضم الزنوج السود في الولايات المتحدة الامريكية.
v    وكان من زعمائها "جارفي" الذي كان يعيش في الولايات المتحدة الامريكية، حيث كان يدعو لهجرة الافارقة وعودتهم لإفريقيا.
تيار الناطقين باللغة الفرنسية:
v    تأخر عمل هذا التيار الفكري في القارة إلى ما بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث انتقل من منطقة جزر الهند في البحر الكاريبي إلي باريس حتى تلاقى الشباب الافريقي الذي خرجت من بين صفوفه الزعامات السياسية الجديدة في افريقيا، حيث تأثر هذا التيار بالمبادئ القانونية والسياسية التي حكمت العلاقات الفرنسية الافريقية.
v    وكان دعاة هذا التيار ومنهم "سنجور" يرون أن أفريقيا في صورة الزنوجة، ويرون أن الزنوج سلالة ذات صفات وطبائع خاصة تميزهم عن غيرهم، وحاول جزء منهم أن يمزج هذه الزنوجة وما تولد عنها من أفكار وتصورات بالمسيحية الكاثوليكية.
تيار الناطقين باللغة العربية:
v    ازدهر هذا التيار في مصر بصورة أكبر نسبياً من باقي البلاد العربية الافريقية، وكان على راس هذا التيار "جمال عبد الناصر"، حيث أن مصر كانت تتمتع بوضع سياسي دولي متميز في شمال افريقيا، وقد شكلت ثورة يوليو 1952 تغير في شكل القارة، حيث دعم جمال عبد الناصر حركات التحرر الافريقية.
v    أيضاً كفاح المصريين ضد الاستعمار الانجليزي أثار العديد من القضايا الفكرية ومن بينها علاقة مصر بما يجاورها من المناطق والبلاد –كالوحدة النيلية، وحدة مصر والسودان.
v    شهدت الفترة منذ عام 1924م محاولت فكرية متعددة لاكتشاف هوية مصر، هل أنها عربية أم اسلامية أم فرعونية، ففي ذلك الوقت كانت افريقيا لا تعني عند المصريين أكثر من مفهوم البلاد الافريقية العربية أو البلاد الافريقية الاسلامية، ويعد هذا تصور جزئي للقارة تطور مع ثورة 1952م والرئيس جمال عبد الناصر، ومع ظهور حركات التحرر كان هناك مخاوف من فكرة الوحدة الافريقية.
v    ونجد أن تيار الناطقين باللغة العربية ومصر عاشوا أيضاً في داخل إطار تصور جزئي لافريقيا، ولكن العلامة الفكرية الهامة التي تسجل تطور هذه التصورات الجزئية لم تأتِ عندهم نتيجة ضغوط الموقف الحقيقي في القارة وإنما جاءت مع ثورة 1952م ويرجع فضل بدايتها للرئيس جمال عبد الناصر.
وقد تأسست منظمة الوحدة الافريقية في العام 1963م بإلتقاء التيارات الثلاث.

رؤية الزعماء الأفارقة للوحدة الافريقية:
1)    الزعيم النيجيري أزيكوى.
v    كانت رؤيته للوحدة خلال فترة الأربعينات، حيث أصدر في العام 1943م بيان سياسي يطلب فيه، تطبيق حق تقرير المصير والاختيار الديمقراطي للشعوب الافريقية، وكان ذلك دليل على "وحدة المصير الافريقي".
2)    الزعيم الغاني نكروما.
v    كانت رؤيته للوحدة الافريقية هي تحقيق الاستقلال السياسي أولاً ثم تتحقق الوحدة الافريقية الجامعة، وقد تولى تنظيم عدة مؤتمرات للوحدة الافريقية.
v    دافع عن فكرة إقامة اتحاد غرب افريقيا المستقل بإعتباره خطوة أولى على طريق الولايات المتحدة الافريقية، وكان يرى أن استقلال غانا غير كافي بدون تحرر بقية الدول الافريقية ووحدتها.
"إن الميراث الاستعماري الذي عجزنا عن تخطيه هو عدم الوحدة، فقد تركتا الاستعمار منقسمين إلى دويلات ضعيفة اقتصادياً".
v    أكد نكروما على دعمه المالي والعسكري للثوار الافارقة، واعتبر التحرر خطوة على طريق الوحدة القارية.
v    ودعا إلى وحدة افريقيا انطلاقاً من تصوره لوجود ثلاثة بدائل أمام القارة الافريقية، هي: (التوحيد وإنقاذ القارة إما الاستمرار في عدم الوحدة وعدم التكامل وإما الاستسلام للقوى الامبريالية والاستعمار الجديد).
v    عاررض نكروما التجمعات الاقليمية الفرعية في افريقيا، مثل الايكواس والكوميسا والساداك.
v    عمل من أجل تأسيس نظام دفاعي افريقي مشترك باعتبار أن تأسيس نظام دفاعي خاص بكل دولة أمر مكلف جداً.
3)    سنجور.
v    اتسم بقدرات أدبية وعقلية أثرت عليها تجربته في فرنسا، وكان مدافع عن فكرة الزنوجة، وهذا ما كان يتحاشاه نكروما.
v    أكد على أن العقل الأوروبي هو عقل تحليلي منطقي قائم على المصلحة والمنفعة بينما العقل الافريقي الزنجي يميل إلى المشاركة من خلال الحدث والبديهة، وهنا يظهر تأثره بالكتاب الذين أكدوا على الاختلافات بين الأوروبيين والأفارقة، ودعا إلى استبعاد العرب من أجندة الوحدة الافريقية.
4)    مبوتو سيسكو.
v    أسس سيسكو مفهومه على الزنوجة لسنجور، مؤكداً أن العرب يملكون الجامعة العربية ولهذا من حق افريقيا امتلاك منظمة منفصلة عنهم، أو بمعنى آخر دافع عن إنشاء عصبة للدول الافريقية مع استبعاد العرب منها، وهذا ما عارضه نكروما بشدة.
5)    معمر القذافي.
v    كان معمر القذافي من القادة الأفارقة الذي يجذب الانتباه، فهو الذي نهض بفكرة الوحدة الافريقية مرة أخرى، فكان يضغط أثناء حضوره جلسات القمم الافريقية إلى إيجاد تكامل سياسي واقتصادي افريقي قوي، حيث دعا لاتحاد افريقي عام 2001م.
v    دعا لإنشاء برلمان قوي، وبنك مركزي، ومحكمة عدل، وعملة موحدة، ووثيقة سفر موحدة للقارة الإفريقية، وأيضاً دعا للمشاركة الشعبية في عملية صنع القرار في ظل منظمة الوحدة الافريقية.

v    وأكد على وجود مؤامرة خارجية أوروبية تستهدف تمزيق افريقيا عن طريق دمج الشمال الافريقي بالشرق الأوسط في إطار مشروع الأورومتوسطي. 

دراسة نقدية لفصل "أبناء السيد والمسود" من كتاب "روح الشعب الأسود" لـ وليم إدوارد ديبويس.

                                                                                            
       
        جامعة القاهرة
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
    قسم العلوم السياسية
    




دراسة نقدية لفصل "أبناء السيد والمسود"
 من كتاب "روح الشعب الأسود" لـ وليم إدوارد ديبويس



إعداد الطالب:
محمد عز الدين مصطفى حمدان






2013


المقدمة:
"وليم إدوارد بورجهارت ديبويس" أفروأمريكي من أصول أفريقية فرنسية، ولد في بارنجتون بالقرب من ماساشوسيتش شرق الولايات المتحدة الأمريكية في 23 فبراير 1868م، وتوفي في أكرا-غانا في 27 أغسطس 1963م[1].
درس ديبويس العلوم الانسانية، كالفلسفة والتاريخ والاجتماع، وكان ناشطاً في مجال تحرير الإنسان والشعوب الملونة، وكان أديباً وشاعراً ومفكراً ورائداً سياسياً وثقافياً لحركة تحرير الزنوج الأمريكية، وحركة الوحدة الأفريقية.
عانى ديبويس في جولته لجورجيا خلال فترة دراسته الجامعية الأولي من التفرقة العنصرية ضد الزنوج، وهو ما عبر عنه في كتابه "روح الشعب الأسود"، فكانت هذه البداية لإتجاهه لدراسة أوضاع الزنوج، واتخاذ الإتجاه السلمي لحل قضيتهم، والواضح أنه لا يمثل العنصرية المعكوسة بل كان يتحدث عن تراث الزنجي القوي القديم، وأن اللون لم يكن أساس العبودية، ويرى أن الصراع بين الأجناس لابد أن يكون للخير، والتنافس يكون في إطار اتصال الحضارات وليس تصارعها، حيث كانت تظهر في جميع كتاباته نظرته الإنسانية للعالم.
كان ديبويس ساخطاً على الواقع الأمريكي لأنه يرى أن الرأسمالية هي المسببة لتجارة الرقيق والحروب الأهلية والعالمية التي تعبر بوضوح عن الثقافة الحقيقية البيضاء[2]، واتجه حول فكرة "أممية الشعوب الملونة" التي تم محورتها في حركة الوحدة الأفريقية، حيث كانت فكرته بأن يدفع بالشعوب الأفريقية للساحة الدولية ليمهدها للحصول على الحكم الذاتي ثم الإستقلال ومن بعدها التوحد[3]، وقد أعجب بالحريات التي منحت للزنوج في فرنسا قبل الحرب العالمية الأولى، ولكنه رأى التناقض خلال فترة الحرب من استغلال الأفارقة بالرغم من تأثر الثقافة الأوروبية ببعض جوانب بالثقافة الأفريقية، مما شجعه لعقد مؤتمرات الوحدة في العواصم الأوروبية والابتعاد عن أمريكيا، وكان له دوراً في هذه المؤتمرات، وأكد على أن الاشتراكية هي الطريق التي يجب على أفريقيا السير فيها والابتعاد عن الرأسمالية، ويحذر من ارتباط الأفارقة بالبيض الرأسماليين لأنه يرى إمكانية التحالف مع البيض على أساس الاشتراكية، ويجب أن يتحد الأفارقة تحت شعار الوحدة الأفريقية الاشتراكية.[4]
وستقوم الدراسة النقدية لفصل "عن أبناء السيد والمسود" من كتاب "روح الشعب الأسود"، حيث تطرق الكاتب للتفرقة العنصرية بين السود والبيض في الجنوب.
أولاً: الفصل المكاني بين البيض والسود.
يوضح ديبويس بأنه "يمكن أن نرسم في كل مجتمع خطاً مادياً للون على الخريطة، على أحد جانبيه يعيش البيض وعلى الجانب الآخر يعيش الزنوج"[5]، وبذلك تتضح التفرقة العنصرية في الفصل المكاني للبيض عن السود، ويبرز بأن السود يعيشوا في أحياء لا يعيش بها البيض لأن البيض يعتبروا السود الفقراء مصدر خطر عليهم، ولكن من الطبيعي أن يوجد حي فقير للبيض وسط حي محترم من السود، ونادراً ما يحدث أن خيرة البيض وخيرة السود يعيشوا بمقربة بعضهم البعض، ولهذا فتبلورت لدى السود قناعة بأن الأشخاص البيض لا يهتمون بمصلحتهم ولا يولوهم أي اهتمام.
ثانياً: العلاقات الاقتصادية والوسائل التي يتعاونون بها لكسب العيش.
يرى ديبويس "أن مشكلة الجنوب هي تحويل السود إلى رجال يعملون بكفاءة وذلك بتزويدهم بالمهارة الفنية اللازمة ومساعدتهم برأس المال المستثمر"[6]، ولذلك ينقصهم الاعتماد على النفس وحسن التعبير والعناية، ويلخص ديبويس ما يحتاجه الرجل الأسود من توجيه شخصي وقيادة جماعية من جانب رجال يحرصون على مصلحته وتدريبه على بعد النظر والعناية والأمانة حتى يتماشوا مع دورهم في العملية الاقتصادية.
ويؤكد ديبويس بأنه لا يجب أن يترك هؤلاء العمال وشأنهم بلا قيادة ولا توجيه وبلا رأس مال أو أرض وبلا مهارة أو تنظيم إجتماعي، لأن هذا سيؤول بهم إلى الجريمة، وإضافة لذلك فقد ترك الرجل الأسود ليلقى به في منافسة حادة مع أفضل العمال في ظل نظام اقتصادي سريع التطور، ووضع ديبويس حلاً للخروج من الوضع الاقتصادي في ذلك الحين وهو أن يدرك البيض أن السود محتاجين إلى تعاطف وقيادة تخرجهم من أوضاعهم الراهنة، ولابد أن تأتي هذه القيادة من السود أنفسهم، ومما سبق تظهر التفرقة العنصرية خلال التعامل مع السود بعد حصولهم على الاستقلال وتحررهم من العبودية، فقد تم وضعهم في ظل نظام اقتصادي متطور وطُلب منهم الاندماج داخل هذا النظام بل وتطويره بدون تعليمهم الأسس والركائز الأساسية التي يحتاجونها للتماشي مع هذا النظام.
ثالثاً: العلاقات السياسية والتعاون في الضبط الاجتماعي.
اعتبر ديبويس "صندوق الانتخاب هو الدفاع الوحيد والشرعي للزنوج"[7]، وذلك في النظام الديمقراطي الحقيقي، ولكن عندما سادت الفضائح السياسية أصبح الطبيعي قمع أصوات الزنوج، والهدف هو إبعاد الرجل الأسود عن السياسة، بمعنى ممارسة التفرقة بين الزنوج والبيض في عملية تأهيل الزنوج لممارسة العملية الديمقراطية.
وأضاف بأنه "يزداد الزنوج اقتناعاً بأن القانون والعدالة ليسا موجودين لحمايتهم، فالقوانين يصنعها رجال لا يهتمون بهم، وينفذها رجال ليس لديهم أي حافز لمعاملة الأهالي السود باحترام ومراعاة، وأخيراً عندما يخرق أحدهم القانون فإنه لا يحاكم بواسطة أقرانه ولكن غالباً على يد أشخاص يفضلون أن يعاقبوا عشرة زنوج أبرياء عن ترك مذنب واحد يفلت"[8]، وهنا تظهر التفرقة العنصرية في التعامل مع الزنوج منذ صنع القوانين ووصولاً إلى تنفيذها، وتم ربط "الوضع السياسي للزنجي بمسألة الجريمة الزنجية"[9]، وجاءت الجريمة كنتيجة للتحرر من العبودية، وأيضاً نظام الشرطة وضع للسيطرة على السود وحدهم، ويفترض ضمنياً أن كل رجل أبيض هو عضو في الشرطة ومن ثم نشأ نوع مزودج من العدالة، حيث وضع نظام الشرطة لتعقب كل الزنوج وليس المجرمين، وكان الزنوج ينظرون للمحاكم على أنها أدوات للظلم والقمع لأنها قائمة على أساس اللون، وأيضاً يبرز بوضوح التفرقة العنصرية في هذه النقطة بربط وجود الزنجي بالجريمة، وتعامل النظام الشرطي الموجود باعتبار أن كل أبيض هو عضو في الشرطة.
ووصلت التفرقة العنصرية في الجنوب لتعليم الأطفال، "فمن بين كل خمس دولارات تنفق على التعليم العام في ولاية جورجيا، تحصل مدارس البيض على أربع دولارات ومدارس الزنوج على دولار واحد"[10]، وهذا السبب بالأساس وراء ظهور الجريمة الزنجية.  
رابعاً: تناول الصجف لقضية الزنوج.
يوضح ديبويس بأن "صحف الصباح نادراً ما تشير إلى مشكلة الزنوج، وإذا فعلت ذلك يكون بطريقة أكاديمية تبحث عن جوانب غير مألوفة للمسألة"[11]، ويظهر ديبويس هنا التفرقة العنصرية في عملية تناول قضايا الزنوج، حيث أن الصحف لا تتحدث عن الجوانب الأساسية للقضية، وإن تحدتث فتتناول جوانب لا تبرز الجانب الصحيح في قضاياهم.
خامساً: الحياة الإجتماعية والثقافية والدينية.
يسرد ديبويس بأن "العنصران يذهبان إلى كنائس منفصلة، فهما منعزلان بشكل قاطع في الاجتماعات العامة، وهما يسافران منفصلان، وفي معظم المحاضرات والمكتبات وحفلات الموسيقى والمتاحف إما الزنوج لا يسمح لهم بدخولها أصلاً، أو يسمح لهم بشروط تمس كرامة نفس الطبقات التي كان يمكن أن تجتذب إليها"[12]، وهنا يوضح ديبويس بأن التفرقة العنصرية وصلت حتى لأماكن العبادة، وصلت حتى في عملية حضور المؤتمرات والندوات العلمية إما أن يمنع الزنوج من دخولها أو توضع شروط خاصة بهم للدخول والمشاركة، وقد امتدت هذه التفرقة إلى الحدائق وسيارات الأوتوبيس.
الخاتمة:
لقد أظهر وليم ديبويس التفرقة العنصرية التي يعاني منها السود في الجنوب، فكان موفق في عملية إبراز هذه التفرقة في أماكن السكن والمعيشة، وفي العلاقات الاقتصادية بينهم، لكنه غالى عندما تطرق للعلاقات السياسية والانتخابات تحديداً، وبعدها وضح تهميش السود في إبراز قضاياهم في الصجف اليومية، وأخيراً تطرق للحياة الاجتماعية والثقافية والدينية. 




[1] حلمي شعراوي، الفكر السياسي والاجتماعي في افريقيا، الطبعة الأولى، مركز البحوث العربية والافريقية، القاهرة، 2010، ص 167.
[2] المرجع السابق، ص 170.
[3] المرجع السابق، ص 171.
[4] المرجع السابق، ص 172.
[5] وليم إ. بورجهارت ويبويس، روح الشعب الأسود، ترجمة: أسعد حليم- تقديم: حلمي شعراوي، الطبعة الأولى، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2002، ص 152-153.
[6] المرجع السايق، ص 154.
[7] المرجع السابق، ص 158.
[8] المرجع السابق، ص 159.
[9] المرجع السابق، ص 160.
[10] المرجع السابق، ص 162.
[11] المرجع السابق، ص 164.
[12] المرجع السايق، ص 165.